يوسف زيدان

95

إعادة اكتشاف ابن نفيس

مع جميع ذلك ، برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية ، ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية ، ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور . وأخيرا ، فإن أبا بكر الرازي طالما لفت أنظار مؤرخي العلم ودارسى المنهج ، بما قدّمه من ملاحظات سريرية ( إكلينكية ) تتبّع خلالها الحالات المرضية ورصد تطوّرها - خاصة في كتابه الكبير : الحاوي - بالإضافة إلى اعتداده بالتجربة في مقابل القياس . . ولذا عدّ الرازي من أقطاب المنهج التجريبى ، وقد نسب إليه كتاب بعنوان : جراب المجربات وخزانة الأطباء « 1 » . غير أن المنهج التجريبى لم يتوقّف في تاريخ العلم العربي عند هؤلاء الأقطاب الثلاثة ، ولم يكن موقوفا عليهم . . فهم الرواد التجريبيون في مجالات الكيمياء والبصريات والطب التي برع فيها الثلاثة ، إلا أن ثلاثتهم من الأوائل المبكرين في هذه المجالات « 2 » ، وجاء من بعدهم من استكمل البحث العلمي وطوّر منهجياته ، جيلا بعد جيل . ومن الظلم لتاريخ العلم العربي ، أن نقصر الكلام عن المنهج التجريبى على هؤلاء الرواد ، ونغضّ الطرف عن امتداداته من بعدهم عبر القرون . وعلاء الدين ( ابن النفيس ) من العلامات المهمة في تاريخ المنهج التجريبى ، ولولا تطويره لهذا المنهج ، لما كان قد وصل إلى ما توصل إليه من معارف واكتشافات . . فالعلم - قبل كل شئ - منهج ، والتجريبية هي السبيل المنهجي الأوفق للعلوم الطبيعية عموما ، ولعلم الطب - الذي تخصّص فيه علاء الدين - خصوصا . والمنهج التجريبى - بعامة - يبدأ من الوقائع المشاهدة ، فينقلها من مجال الملاحظة العادية اليومية ، إلى الملاحظة العلمية التي هي أولى خطوات المنهج ؛ فمن

--> ( 1 ) قام مؤخرا الأستاذ : خالد حربي ، بتحقيق الكتاب في رسالة جامعية نال بها درجة الماجستير من قسم الفلسفة بآداب الإسكندرية . وقد حقّق الكتاب على أنه من مؤلّفات الرازي ، غير أنني فحصت مخطوطة هذا الكتاب ( محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة ) فوجدتها لمؤلّف متأخّر زمنا ، ينقل عن الرازي وغيره من الأطباء . . فالكتاب عبارة عن كنّاش أو مجموع مذكرات طبية . ( 2 ) توفى جابر بن حيان في حدود سنة 160 هجرية ، وكانت وفاة أبى بكر الرازي في حدود سنة 330 هجرية ، بينما توفى ابن الهيثم في حدود سنة 430 هجرية ( وكلها تواريخ تقديرية ، في حاجة لضبط وتحقيق ) .